في ذكرى استرداد طابا..المعارك المسلحة وحدها لاتكفي

 طابا بقعة غالية وعزيزة من أرض مصر ورغم أن مساحتها لا تتجاوز كيلومترا مربعا واحدا فقد اقتحمت أبواب التاريخ بعد أن خاضت مصر معركة مثيرة لاستردادها من الاحتلال الإسرائيلي أطلق عليها المؤرخ الراحل يونان لبيب رزق "معركة العصر". 

 شغلت طابا مكانا بارزا في سجل الصراع المصري الإسرائيلي وكانت موضع صراع قانوني ودبلوماسي بين مصر وإسرائيل استمر عدة سنوات في قصة نجاح مبهرة سطرها ببراعة وإصرار فريق من 25 خبيرا مصريا خاضوا معركة سلمية حامية في المحافل الدولية حتى نجحوا في إعادة طابا إلى السيادة المصرية.  
 
وتعد ذكرى استرداد طابا ورفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989، تأكيدا على أن مصر لا تترك حقها ولا أرضها مهما طال الوقت أو حالت الظروف. 
 
 وتعد قضية طابا هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، حيث تم لأول مرة تسوية نزاع حدودي بين إسرائيل ودولة عربية عن طريق المحاكم الدولية كما أنها أرست أيضا قواعد استئناف الصراع بين العرب وإسرائيل وذلك باستخدام القنوات السياسية، لأن النزاع المسلح وحده لايكفي لحسم أي صراع وتحقيق نصر كامل في ظل الظروف الدولية المعاصرة. 
 
 - قصة النزاع التاريخي بشأن طابا 
 
 بدأت مشكلة طابا قديما وبالتحديد مطلع القرن الماضي بين مصر وسلطة الاحتلال البريطاني كطرف أول، والدولة العثمانية كطرف ثانٍ في يناير عام 1906، بعد أن أرسلت تركيا قوة لاحتلالها مخالفة بذلك ما جاء بفرمان 1841 و1892 الخاصين بولاية مصر والحدود الدولية الشرقية لها والممتدة من رفح شمالا على ساحل البحر المتوسط إلى رأس خليج العقبة جنوبا، شاملة قلاع العقبة وطابا والمويلح. 
 
 وتدخلت بريطانيا سياسيا لمنع تكريس الأمر الواقع على الحدود، وذلك حفاظا على مصالحها في مصر أو لمجرد احتمال تهديد قناة السويس، ذلك الشريان الحيوي الذي يصلها بمستعمراتها في الهند وجنوب شرقي آسيا. وازدادت المشكلة تعقيدا، فتعددت أزمة طابا وامتدت إلى منطقة رفح في أقصى الشمال، حيث قامت الدولة العثمانية أيضا بقوة من جنودها باحتلال مدينة رفح وإزالة أعمدة الحدود الدولية بها. 
 
 بعد فشل الجهود السياسية قامت بريطانيا بتقديم إنذار نهائي إلى الباب العالي في تركيا أوضحت فيه أنها ستضطر للجوء إلى القوة المسلحة ما لم يتم إخلاء طابا ورفح وعودة القوات التركية بهما إلى ما وراء الحدود، الأمر الذي دفع بالسلطة العثمانية بها إلى الرضوخ لهذه المطالب الشرعية. 
 
 وقامت بتعيين لجنة مشتركة مع الجانب المصري والبريطاني لإعادة ترسيم الحدود إلى ما كانت عليه مع تدقيقها طبقا لمقتضى القواعد الطبوغرافية لتحديد نقاط الحدود الطبيعية بدءا من رفح، ثم تتجه اللجان جنوبا بشرق على خط مستقيم تقريبا إلى نقطة حدود على خليج العقبة تبعد ثلاثة أميال من العقبة. 
 
 وبلغ عدد الأعمدة المقامة وقتئذ على الحدود الدولية وحتى وقتنا هذا 91 عمودا للحدود، بدءا من العمود رقم واحد عند ميناء رفح على تل الخرايب، وآخر عمود هو رقم 91 على رأس طابا، حيث انتهى نهائياً بناء هذه الأعمدة الأسمنتية المسلحة في 9 فبراير 1907، وهكذا عادت طابا مصرية في مطلع القرن العشرين. 
 
ومرة أخرى قدر لطابا بعد نصر أكتوبر 1973 أن تكون في دائرة الاهتمام خلال ترتيبات الانسحاب النهائي من شبه جزيرة سيناء تنفيذا لاتفاقية السلام، حيث بدأت مقدمات المشكلة. 
 
 وعادت مسألة الحدود الآمنة تطرحها إسرائيل بعد حرب أكتوبر 73 إلى أن عقدت معاهدة السلام في مارس 79، والتي نصت في مادتها الأولى على أن تنسحب إسرائيل من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب. 
 
 وكانت بداية الخلاف بين مصر وإسرائيل أواخر عام 1981، حين رفض الإسرائيليون الانسحاب من طابا استكمالا لتنفيذ معاهدة كامب ديفيد التي أبرمها الجانبان بالولايات المتحدة عام 1978، وتحججت تل أبيب بأن هناك خلافا بشأن بضع علامات على الحدود خصوصا العلامة 91، وهي علامة الحدود الأخيرة على الشريط الحدودي في طابا حيث ادعت إسرائيل بأنها تتبع لها. 
 
 وبعد توقيع معاهدة السلام قررت إسرائيل توسيع الأقاليم التي تحيط بميناء إيلات، وشرعت في إقامة فندق سياحي في وادي طابا دون إبلاغ مصر، ومن هنا بدأ خلاف حول الحدود خاصة عند علامة الحدود رقم 91 بمنطقة طابا. 
 
 واكتشفت اللجنة المصرية في أكتوبر 1981، وعند تدقيق أعمدة الحدود الشرقية بعض المخالفات الإسرائيلية حول 13 علامة حدودية أخرى أرادت إسرائيل أن تدخلها ضمن أراضيها، حيث أعلنت مصر أنها لن تتنازل أو تفرط في شبر واحد من أراضيها، وأن الحفاظ على وحدة التراب الوطني المصري هدف أساسي وركيزة لكل تحرك. 
 
 ودارت مباحثات على مستوى عالٍ بين الجانبين استخدمت إسرائيل فيها كل أشكال المراوغات، حيث أعلنت مصر أن أي خلاف حول الحدود يجب أن يحل وفقا للمادة "السابعة" من معاهدة السلام والتي تنص أن "يتم الحل عن طريق المفاوضات، وفى حالة فشلها يتم اللجوء إلى التوفيق أو التحكيم".
 
 وأبدت مصر رغبتها في اللجوء إلى مشارطة التحكيم فقامت بتشكيل لجنة فنية تضم مجموعة من الأساتذة والخبراء المتخصصين في القانون الدولي بدراسة الجوانب القانونية للتوفيق والتحكيم، كما شكلت مصر لجنة فنية أخرى للاتفاق على النظام الذي سيسود المناطق المتنازع عليها، حيث رأت مصر أنها تفضل اللجوء إلى التحكيم في المقام الأول. 
 
 - اللجوء للتحكيم الدولي
 
 في 13 مايو 1985 جاء قرار رئيس الوزراء المصري بتشكيل اللجنة القومية لطابا، يرأسها عصمت عبد المجيد وبعضوية 24 خبيرا، منهم 9 قانونيين واثنان من علماء الجغرافيا والتاريخ و5 دبلوماسيين و8 من العسكريين، وكان من أبرز هؤلاء الخبراء نبيل العربي ومفيد شهاب وفايزة أبو النجا وأحمد ماهر ويونان لبيب رزق.
 
 وفي سبتمبر 1986 وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة شيمون بيريز على اللجوء للتحكيم الدولي حول السيادة على طابا بعد ضغط الولايات المتحدة، وتنفيذا للمادة السابعة من معاهدة كامب ديفيد السلام. 
 
 - مهمة صعبة 
 
 عن طريق الأرشيف المصري والبريطاني والتركي تمكن الفريق المصري من جمع الوثائق والخرائط التي تثبت تبعية طابا للسيادة المصرية، كما تمكنوا من جمع 10 وثائق من الأرشيف الإسرائيلي ذاته، وتم جمعها من دور الوثائق في القاهرة ولندن والخرطوم وإسطنبول ومحفوظات الأمم المتحدة في نيويورك. 
 
 واستند الموقف المصري إلى انسحاب الإسرائيليين من سيناء بما فيها طابا إلى الحدود الدولية عقب العدوان الثلاثي عام 1956، لكن الإسرائيليين تحججوا بأن هذا الانسحاب كان خطأ وأن موقفهم قائم على اتفاقية 1906 الخاصة بترسيم الحدود بين مصر والدولة العثمانية. وتنوعت الأدلة التي قدمها الفريق المصري للمحكمة وشملت الوثائقَ التاريخية والتي احتلت مكان الصدارة والخرائط والمجسمات الطبيعية والإحداثيات الشبكية وكتابات المعاصرين والزيارات الميدانية إلى مناطق الخلاف وبقايا أعمدة الحدود، فضلا عن شهادات الشهود. 
 
 واستعان الفريق المصري بنحو 29 خريطة في مذكرته الأولى المقدمة في مايو عام 1987، لإثبات نقاطها الحدودية وتبعية طابا للسيادة المصرية، مقابل 6 خرائط فقط قدمتها إسرائيل لدعم حقها المزعوم. 
 
 وشملت الخرائط التي قدمتها القاهرة خرائط مصرية "6 خرائط" وبريطانية "4 خرائط" وفلسطينية "4 خرائط" وإسرائيلية "10 خرائط دفعة واحدة"، بجانب مجموعة متنوعة من الخرائط كان من بينها خريطة لعصبة الأمم، وخريطة للخارجية الأمريكية، وخرائط أخرى من الأمم المتحدة.
 
 وفي 29 سبتمبر 1988، أصدرت هيئة التحكيم التي عقدت في جنيف بالإجماع حكمها التاريخي لصالح مصر وقضت أن طابا مصرية، وبعد صدور الحكم اختلقت إسرائيل أزمة جديدة في التنفيذ. 
 
 وأعلنت أن مصر حصلت على حكم لمصلحتها، ولكن التنفيذ لن يتم إلا برضا إسرائيل، وبناء على شروطها ولكن الدولة المصرية رفضت كل العروض والمناورات الإسرائيلية. 
 
 وتم حسم الموقف عن طريق اتفاق روما التنفيذي في 29 نوفمبر 1988 بحضور الولايات المتحدة حيث انتهى بحل المسائل المعلقة والاتفاق على حلها نهائيا من خلال ثلاث اتفاقيات، كالتالي: 
 
 أولا: اتفاقية تختص بالنشاط السياحي، وذلك بتعويض إسرائيل بمبلغ 37 مليون دولار وبأسعار ذلك الوقت تدفعه مصر مقابل تسليمها المنشآت السياحية في فندق "سونستا طابا" والقرى السياحية، وذلك على غرار ما حدث في كل من: دهب ونويبع وشرم الشيخ من قبل. 
 
 ثانيا: كان الاتفاق الثاني يختص بتحديد موعد الانسحاب الإسرائيلي النهائي من طابا وتوصيل خط الحدود إلى شاطئ الخليج "النقطة 91".  
 
ثالثا: الاتفاق الثالث كان يتعلق بنظام مرور الإسرائيليين إلي ومن طابا إلي جنوب سيناء. 
 
 وانتهت قضية طابا برفع العلم فوق أراضيها عام 1989 بعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7 سنوات. 
 
 - أهمية مدينة طابا تبعد طابا عن مدينة شرم الشيخ حوالي 240 كم جنوبا، وتمثل مثلثا قاعدته في الشرق على خليج العقبة بطول 800 متر، وضلعا شماليا بطول ألف متر وآخر جنوبي بطول 1090 مترا، ويتلاقى الضلعان عند النقطة التي تحمل علامة 91. وتكمن أهمية طابا لإسرائيل أنها تقع على بعد 7 كيلومترات من ميناء إيلات الإسرائيلي شرقا، ما يجعلها الباب على سيناء وتعتبر إيلات أضيق جبهة إسرائيلية في المنطقة تطل على العقبة، فتمتد 5 أميال محصورة بين ميناء العقبة الأردني ووادي طابا. 
 
 وحاولت إسرائيل الاستيلاء على طابا من أجل توسيع إيلات التي تعتبر المنفذ البحري الوحيد لها على البحر الأحمر، ما يؤهلها للإشراف على طريق البحر الأحمر من سيناء إلى باب المندب، بالإضافة إلى أنها المدخل الأساسي لشرم الشيخ وبالتالي مضيق تيران، وتمثل نقطة تحكم لإسرائيل تقوم من خلالها بالاطلاع على ما يجرى في المنطقة ووسيلة ضغط مستمرة على مصر تقوم من خلالها بعزل سيناء شمالها عن جنوبها. 
 
 وتقع طابا في مواجهة الحدود السعودية في اتجاه مباشر لقاعدة تبوك، لذلك فمن يسيطر على طابا يسيطر على رأس خليج العقبة فيستطيع رصد ما يجرى في كل من خليج السويس وشرم الشيخ ونويبع.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير مصر

بالأسماء.. الوزراء الجدد يؤدون اليمين.. وتوجيهات رئاسية لتعزيز كفاءة الأداء

شهد  الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، بمقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة، أداء نائب رئيس الوزراء والوزراء ونواب الوزراء الجدد...

من إيطاليا.. الأزهر يمد جسور التواصل لمسلمي أوروبا

في إطار الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر الشريف لترسيخ الخطاب الديني الرشيد، انطلقت في إيطاليا سلسلة من اللقاءات الفكرية...

التعليم العالي في أسبوع.. ختام مبادرة "تمكين" وتعزيز التعاون مع اليونسكو

على مدار الأسبوع الماضي، وفي إطار دعم جودة التعليم الجامعي، شهدت قطاعات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سلسلة متتابعة من...

وسط تصاعد التحديات بالقارة.. مصر رئيسا لمجلس السلم والأمن الأفريقي

وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...